الخط العربي بين الذاتي والموضوعي– فلسفة الجمال

الباحث: 
د.إياد حسين عبد الله الحسيني (العراق)

منذ أن أثار الفيلسوف كانت عام 1724 في نظريته الجمالية اشكالية الجمع بين الذاتي والموضوعي في العمل الفني كانت الفنون بمختلف اصنافها تنزع تارة إلى الذاتي وأخر إلى الموضوعي وبالتالي تكونت العديد من الاتجاهات والمذاهب الفنية، كانت تغلب الذات على الموضوع تارة والموضوع على الذات تارة أخرى.

ولا شك أن كل فن من الفنون هو ناتج لمجموعة من العوامل التي تكون ثقافية المجتمعات تولد في نهاية المطاف منطقاً جمالياً خاصاً به وبالتالي من الصعب اتخاذ مقاييس موحدة للفنون التي تنتجها ثقافات المجتمعات المختلفة ويعد الفن إحدى ثمار الحضارة الإنسانية التي تخلق حواراً فاعلاً بين المجتمعات الحية وثقافاتها، وأن المقاربات الموضوعية والفكرية تفتح نوافذ جيد للحوار والتأمل لما هو جديد .

والخط العربي كظاهرة فنية وجمالية غرست عميقاً في الفكر العربي والإسلامي على المستوى الثقافي والإيديولجي وتكتنز الكثير من التأويلات الحداثوية، بسبب قدرتها على اسقاط عاملي الزمان والمكان لصالح الفكر الجمالي وإن العلاقة بين الحقيقة العلمية (الكيان الموضوعي) ونظيرة المعرفة (الأبستمولوجي) التي يثيرها الحرف العربي قد بلغت ذروتها عندما توسط طرفي الجمال الدلاله اللغوية والمعرفية، يتجلى فيها سعي الخطاطون عبر العصور للوصول إلى كمال المعنى بواسطة جمال المبنى.

فهل أن اقتصار ما جودته الأقلام من تنوع على آيات الذكر الحكيم ومأثور القول وصافيات الحكم قد فاق التصورات وأصبح كفيلاً بأن يحيل الشكل ظاهراتياً إلى جماله الأقصى؟ وإذا كان المبدأ كذلك فهل أننا نلتقى جمالياً وتطبيقياً بما أثاره جادامر في نظريته للتلقي والتأويل في أواخر القرن العشرين، بأن أقصى ما يمكن أن يصله الجمال هو الكمال.

أو ما أثاره الإمام الغزالي قبل ذلك بما يقرب من عشرة قرون بأن (جمال الشئ في كماله اللائق به) وفي كلا الحالتين لا يمكن الكشف عن هذه الدلالات الظاهراتية وبنيتها العميقة دون استقاء المعرفة من علوم شتى لأن ظاهرة تطور الحرف واستخدامه لم تكن بعيدة عن المنهج الفكري الذي حمله الإسلام مبشراً ومنذراً.

أي أن بنية الحرف استقت أولى قيمها الجمالية من الدعوة الجمعية للفكر وليس الممارسة الإبداعية الفردية وعلى أساس أن انتماء ودور الفرد في الجماعة، وبما يؤشر لنا بأن القيم الجمالية الجديدة هي قيم جمعية رغم أنها تحفظ للفرد دوره الحقيقي في بناء الحياة وديمومتها. في ذات الوقت التي تغيب الذاتية الفردية أمام المنجز الجمعي .

ولم يدخل القرن الرابع الهجري حتى كانت فكرة معالجة الحروف داخلة في كل اشكال المعرفة الإنسانية، فعالجها العديد من الفرق والجماعات، كما عالجها الصوفية والفلاسفة وحتى المعتزلة، كل على حسب هدفه ومن هنا وجدنا الحلاج يسير في موازاة أحمد بن زيد البلخي في القول (بأن في القرآن علم كل شئ، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور، وعلم الأحرف في لام الألف، وعلم لام الألف في الألف، وعلم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وعلم المعرفة الأصلية في الأزل، وعم الأزل في المشيئة، وعلم المشيئة في غيب الهو، وعلم غيب الهو «ليس كمثله شئ» ولا يعمله إلا هو).

أو كما يلخص زكي نجيب محمود نظرية جابر بن حيان في (ميزان الحروف): «نعود فنقول: أنه لو بلغت اللغة حد كمالها المنطقي، لجاءت كلماتها مساوية لأشياء العالم الخارجي، ثم لذا جاءت أحرف الكلمات مقابلة لطبائع تلك الأشياءونحن نتكلم الآن بلسان ابن حيانفلا زيادة فيها ولا نقصان، لكن الذي يحدث فعلاً في اللغة القائمة المتداوله هو أنها بعيدة عن هذا الكمال، فكليمات زادت حروفها على الأصل المطلوب، وكلمات أخرى نقصت حروفها عن الأصل المطلوب، وأذن فالخطوة الأولى التي يتحتم علينا البدء بها، إذا اردنا أن نستشف طبائع الأشياء الخارجية من اسمائها في اللغة، هي أن نسقط الزوائد من الكلمة أن كان فيها زوائد، أو أن نصف النواقص أن كان فيها هو محذوف...»

أن دور الحرف بحد ذاته كان في نفس الوقت مفارقة للذاتية وكشفاً للحقيقة، سرعان ما أشاد صرح فن قائم بذاته هو فن الكتابة، ذلك الفن الذي لم ينفرد بنفسه كوسيلة تعبير ذهنية بل تخاطاها عبر (الفن المعماري، والعديد من التطبقيات العملية اليومية ذات المساس بحاجة الإنسان)، ولقد ظلت اشكاله الفنية المتنوعة غنية بطاقاتها التجريدية إلى الحد الذي عبرت باستمرار في المعطي الروحي الصرف للحضارة، وذلك باستمرار ظهورها كلوحات حائطية على جدران المسجد أو ككساء من القاشاني للمنائر والقباب، أو كنص كتابي للقرآن ضمن تكوين زخرفي عام ومن هنا، فأن الاكتشاف المعاصر للخط كحرف ودلاله وقيمة جمالية هو بدوره استمرار غيبي لعقلية فنان متجاوز لذاته وواقعه النسبي في سبيل أن يستقصى أصوله من جذوره وأن يطور ابداعه عبر ثماره.

الدورة الثانية لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى