المقومات العلمية لفن الخط العربي

الباحث: 
أ.د/ إدهام محمد حنش (العراق)

حظى الخط العربي بكثير من الدراسات التي تناولت طبيعته اللغوية ووظيفته التدوينية وصيرورته التاريخيه وتطوراته الفنية التي انتهى بها هذا الخط فناً أصيلاً ومركزياً في دائرة الفنون الإسلامية لكن هذا الفن لم يحظ بدراسات عملية معمقه تعني ببنيته المعرفية التي أعطته حقيقة العلم وصفته التي كثيراً ما كان يوصف بها في أدبيات المعرفة الخطية العربية والإسلامية حيث لم تكتف هذه المعرفة بالإشادة الفائقة بأهمية (علم الخط) وفضائله فحسب بل وكثيراً ما كانت تعني ببيان كيفية تصنيف (العلوم الخطية) بين اللغة والصناعة وغيرهما من المظاهر المعرفية الأخرى.

من هنا تحاول هذه المقاربة البحثية المتواضعة دراسة الأسس المعرفية التي قام عليها فن الخط العربي قياماً علمياً محكماً في بنيته ومميزاً في موضوعه وواضحاً في حدوده ومستقلاً في خصوصيته لا سيما وإن هذه الأسس قد تنوعت بين الكتابة والهندسة والصناعة والفن وغيرها .

وتتمثل أهمية هذه الأسس ودراستها وتحليلها في كونها الأصل العلمي والمنهجي الأول لإنطلاق عملية (تعليم الخط) وتحولاتها المنهجية الصحيحة للتكامل المعرفي فيما بين فقه (الخط) العلمي النظري وإبداعه الفني التطبيقي لا سيما وإن فن الخط العربي يتفرد من بين الفنون الإسلامية بخاصية التنوع المفتوح في تكوين أشكاله وصوره وأساليبه التي تتمثل في عدد كبير -0 نسبياًمن ما يعرف بأنواع الخط العربي التي منهاعلى سبيل المثال لا الحصر : الثلث ، والنسخ ، والمحقق ، والإجازة والتعليق والديواني والرقعة وغيرها.

وتقوم البنية المعرفية لفن الخط العربيبشكل عامعلى عدد من العلوم الأساسية التي تقف وراء الأسس والمقومات النظرية والتطبيقية لفن الخط العربي ولعل من أبرز هذه العلوم :

أولاً : علم الحرف: المتصل بعلم اللغة العربية الذي يتألف من ثمانية وعشرين حرفاً في ثلاثة مستويات لغوية هي : المعنى، اللفظ ، الكتابة ولذلك فأن اللغويين يصنفون هذه الحروف إلى ثلاثة أنواع وهي : الحروف المعنوية، والحروف اللفظية ، والحروف الخطية .

وتنتمي الحروف الخطية إلى المستوى اللغوي المعروف بالكتابة ذلك لأن الكتابة نوعان هما: الكتابة الأنشائية، والكتابة الخطية التي هي تعبير آخر عن المعنى اللغوي والإصطلاحي لكون الخط هو صورة الكتابة.

ثانياً : علم الهيئة (الصورة) : ومن هنا نشأن مفهوم (الصورة الخطية) في مقابل المعنى اللغوي الذي يضع الخط في الصلب العلمي للرسم والكتابة فصار تعريف الخط هذا يعكس انتماءه من الناحية المعرفية إلى عالم الصور والأشكال الذي هو المجال المعرفي لاختصاص (الهندسة الحسية) التي يمكن تعريف حقيقتها المعرفية: (علم الأشكال الخطية) .

ثالثاً : علم الهندسة : الشكلية geometry المتعلقة بفن الخط وهو العلم الذي يعودفي الغالبإلى العلامة الأندلسي عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأقليدس العرب وقولته المشهورة بأن الخط هو "هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية" فقد صارت (هندسة الخط) نسقاً رياضياً خاصاً من الأنساق المعرفية لعلم الهندسة العالم الذي اجتهد العلماء المسلمون في تصحيحه وتهذيبه وترقيته ببعض مبادئ المعرفة الإسلامية كالفضل والإحسان والتقويم وغير ذلك من مثل هذه المبادئ التفكرية والفكرية والعلمية التي ميزت علم الهندسة بخصوصيته الإسلامية وقيمة الحقانية القائمة على كل من : (التناسب) قانوناً لحسن الأشياء وجمالها و(الإحسان) معياراً لإتقان العمل الفني والحرفي و(التفاضل) قيمة فطرية مضافة في بنية الأشياء وخصائصها فوق قيمها الرياضية والجمالية والوظيفية في البنية الشكل والعمل والإنتاج.

ن هذه المبادئ الهندسية الإسلامية الخاصة هي "كنه الأشياء وجوهرها" في التصور الفلسفي الإسلامي وهيأيضاًعماد ما كان العلماء المسلمون يسمونه (الهندسة الفاضلة) التي يمكن عدها بمثابة نظام لكل الأنظمة المعرفية المتعلقة بالعلوم والآداب والفنون والصناعات والحرف.

وتقوم هندسة الخط الفاضلة على ما يسميه فقهاء هذا الفن ومهندسوه (الأصول الهندسية) وهي عبارة عن خطوط هندسية مستقيمة أو منحنية مرسومة في صورة الحرف الخطى وشكله العام بوضع هندسي معين .

وتتراوح أوضاع هذه الخطوط الهندسية بين : الانتصاب والتسطيح والإنكباب والإستلقاء والإنحناء والإستدارة والتقويس وهذه الأوضاع والهيئات هيفي حقيقتهاعبارة عن حركات تؤدي إلى انتاج صورة الحروف الخطية وأشكالها التي ترجع في ذلك كله إلى أوضاع الإنسان وهيئاته المختلفة في الحركة والسكون.

لذلك كان نقاد هذا الفن المسلمون يصفون فن الخط دائماً بأنه (الساكن المتحرك) .

رابعاًً : علم أنواع الخط : الذي استفاد كثيراً من تباين الأوضاع والهيئات في هندسة لإحداث التغيرات الشكلانية في صور الحروف الخطية التي يتأسس عليها نوع الخط وأسلوبه الفني .

وهناك العديد من نظريات التنوع الفني للخط العربي منهاعلى سبيل المثال لا الحصر: نظرية الأشتقاق القائمة على التناسل الفني بين الأصول والفروع في أنواعه الخط ونظرية الدوائر الخطية على غرار نظرية الدوائر العروضية لبحور الشعر العربي لشعبان الآثاري.

أما أبرز الأمثلة العملية التراثية على نظريات التنوع الفني والوظيفي للخط العربي فهي الأمثلة العملية التي قدمها الطب في كتابة (جامع محاسن كتابة الكتاب) الخاص بنظرية الخطاط ابن البواب وطريقته في أنواع الخط العربي .

خامساً: علم قواعد الخط : الذي كان يعرف بصنعه الخط أو الكتابة وتلازمها العضوي بعلم الهندسة حيث تفيد المقولة المعروفة بأن الخط إنما هو "هندسة صعبة، وصناعة شاقة" وهذه الصنعة تمثل البعد المعرفي الآخر لفن الخط وهو البعد التطبيقي لتعلم الخطاط وأدائه الفني المتعلق بالمعنى اللغوي للخط من حيث هو عملية الكتابة لا من حيث هو صورتها. ومن هنا صار مفهوم (صناعة الخط) يعبر عن القواعد الكتابية) لفن الخط حيث تكون هذه القواعد عبارة عن مجموعة من العمليات أو التقنيات الكتابية الهادفة إلى تحقيق (جمالية الصورة الخطية) من خلال كل من : إنشاء أشكال (الحروف الخطية) وتكوين صورها البسيطة والمركبة وهو ما كان فقهاء هذا الفن يسمونه : (حسن الشكل) وبناء العلاقات التشكيلية فيما بين هذه الحروف الخطية عند بنية (الكلمة) الصرفية ومنها عند بنية (السطر) الكتابية النهائية وكان فقهاء هذا الفن يسمون هذا البناء الخطي التشكيلي باسم (حسن الوضع) .

وبحسب هاتين الناحيتين تنوعت (قواعد الخط العربي) العامة والخاصة على نحو علمي مترابط جعل بعض فقهاء هذا الفن الإسلامي الجميل يصف (صناعة الخط) هذه بإنها "الصناعة الفاضلة الكاملة الشاملة" وذلك لإنهاء تجمع بين العلم والعمل في اعتبار واحد من اعتبارات الإبداع الفني النظرية التربوية والتطبيقية التعليمية .

الدورة الثانية لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى