تجربة تطوير الخط العربي من فن الخط الحر إلى خط طباعي يناسب التطبيقات الحديثة في مجال الحرف وتصميم المنتج

الباحث: 
أستاذ دكتور رهام محسن

كلية الفنون التطبيقية جامعة حلوان

هل توجد فجوة بين فن الخط العربي والفنون التطبيقية المعاصرة ؟، هذا سؤال محوري وهام خصوصًا في ظل محاولات الفنانون والحرفيون مؤخرًا تضييق الفجوة الواقعة بين الخط العربي والفنون التطبيقية في مصر، حيث كان هناك ازدهار كبير في تطبيقات الخط العربي في الصناعة والحرفة فيما مضى، ثم حدث عزوف عن تلك المهارات والحرف لأسباب متعددة. ولو طالعنا صور فن الخط العربي في مصر في الوقت الحالي نجد أنه يضاهي بل وينافس مثيله في باقي الوطن العربي والعالم الإسلامي، فعندنا من الخطاطين الفنانين قائمة عالمية المستوى، وقد حافظت على التراث ونقلته لأجيال متتالية.

ورغم تطور الفنون التطبيقية في مصر عبر التاريخ بخطى ثابتة فإن الاهتمام بالخط العربي فيها يزيد وينقص، رغم أنها قد مرت فترة من الخفوت في إنتاج القطع الفنية التطبيقية والفتور في الإبداع الفني والتقني بسبب الاتجاهات العالمية التي فرضت طابعها من التبسيط والتجريد، ولكن في أثناء هذه فتور استخدام الخط العربي في الحرف والصناعات بقي الخط العربي جميلا وبديعًا على الورق، يجد فرصته أحيانًا ولا بأس بنا على أجهزة الحاسب.. ولكن جاء الوقت ليواجه تحديه الأكبر في صورة منتج تطبيقي. ويبقى السؤال هل هي مشكلة تقنية؟ أم مشكلة في التصميم؟

خصوصُا وقد انتشرت في مصر وبسرعة هائلة استخدامات الخط العربي على المنتجات كان أولها وأكثرها طباعة المنسوجات، ثم الحلي، وظهر الحفر على الخشب متأخرًا، وظهر معه الافتقارالشديد للعمالة المدربة؛ أين ذهب الحفر باليد والدق باليد أو الرسم باليد من مجموعة من الحرفيين الصناع المهرة الذين انقرضوا بالتدريج لعدم وجود فرص لتسويق وتقدير أعمالهم التي تستغرق ساعات وساعات من العمل بل أيام وأشهر. لقد فرض الطابع العالمي السرعة والدقة التي تنتجها الأجهزة الحديثة مع توفر السعر الاقتصادي جدا نظرًا لوجود الإنتاج الكمي الكبير وتقدمت النمور الآسيوية على رأسها الصين وشكلت خريطة العالم الاقتصادية الحديثة كما أشار فرانسيس فوكوياما في كتاب نهاية العالم.. ولكن...!! ظلت بعض الفئات من البشر تقدر قيمة العمل اليدوي واللمسة الإنسانية منهم السياح مثلا وعلى أسهم الألمان الذين هم أرباب مدرسة

الباوهاوس، وهو أمر يدعو للتساؤل؛ فهل افتقدت الماكينة الألمانية الحس الإنساني بعد تشبع من دقة الآلة والإتقان؟ وهل عاد بهم هذا الافتقاد قرونا إلى الوراء، أم أنها قرونا إلى إنسانية أرقى؟ 

بمشاهدة الأعمال الحرفية على مستوى العالم نجد أنه مع التطور والتقدم ما زالت هناك الفطنة أو في الحقيقة الثقافة والوعي لإدراك ضرورة والقدرة على تحقيق المزج بين الجانبين – دقة الآلة وسرعتها مع اللمسة الإنسانية الفنية - للحصول على ما يمكن تسميته بالجيل الرابع 4G حيث جزء من الإنتاج يتم على الماكينة وبدقة الحاسب الآلي والجزء الآخر يشمل اللمسة الإنسانية اليدوية التي تجعل للمنتج قيمة أخرى...!!

يقدم هذا البحث مثالاً عمليًا لهذه الطريقة في تصميم وتنفيذ المنتج، ولقد اكتسبت خبرتي من خلال ما تعلمت من البروفيسور أندرياس سيكلنجر من الجامعة الألمانية، والذي أثر هو وزملاؤه على طلابه وبالتالي في مجال الفنون التطبيقية في مصر في الفترة من ٢٠١٢ إلى ٢٠١٨م، كما ظهر في المعرض الذي أقيم في المقعد الملحق لمسجد السلطان قايتباي، والذي بحث فيه أندرياس سيكلنجر عن الطراز المملوكي لعمل تطبيقات حديثة منه دون استخدام الوحدات الزخرفية وقصها ولصقها كما هو المعتاد، ولكن من خلال الهيئة ثلاثية الأبعاد لمنتج غير مزخرف على سبيل إحياء الروح المملوكية في منتج معاصر. (مرفق صور في العرض المرافق)

ولقد وثقنا تجربتنا الأولى من خلال البحث المنشور في المجلة المغربية للفنون والتصميم عن تصميم وتنفيذ قطة من الحلي مع الفنانة رانيا هلال مكونة من كتابات الخط العربي لبعض من عبارات السيرة الهلالية، حيث تم رسم الخط العربي بيدي أولا بشكل فني caligraphy ثم إعادة رسمه عل الكمبيوتر ليصبح قابلا للطباعة بدون تأثير الورق والحبر ولكن بدقة هندسية عالية لمسودة الطباعة، مما يؤثر على دقة شكل الكتابة على المنتج النهائي. أركز هنا في هذا المثال على عرض التفاصيل الدقيقة لمراحل تصميم وتنفيذ الخط العربي على "بارافان" التي لم أعثر على مرادفها في اللغة العربية، كأحد منتجاتهم لمكملات الديكور المنزلي. تهتم منظمة أغاخان من خلال مؤسستها الفرعية "مظلة" لتدريب المجتمع في منطقة الدرب الأحمر وتعليم أهلها الحرفة اليدوية لعمل صناعات، تعلم الابتكار، ولكن لتبدأ بالتشغيل والتصنيع تبدأ من خلال التدريبات بتصميمات سابقة التجهيز قابلة للتطبيق على قدر مستواهم المبتدئ.

وبذلك جاءت فكرة توحيد شكل الحروف الخاصة بالكتابة بشكل مفصل لتصبح أشبه بقطع الوحدات الزخرفية التي يتم تطعيمها في مكانها المناسب في اللوحة المعدة لذلك، تماما كما يقوم المتدربين بتجميع قطع المشربيات والزخرفة الهندسية العربية على الأخشاب. وبذلك يسهل الإنتاج الكمي لعدد أكبر من نفس المنتج بما يساهم في حركة الصناعة مع الاحتفاظ بقدر من الإنسانية وروح الحرفة في المنتج. وهذا هو تماما معنى الجيل الرابع في الصناعة الحديثة.

الدورة الرابعة لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى