آثار ابن البصيص الخطية على عمائر دمشق (666-716هـ)(1267-1317م)

الباحث: 
دكتور فرج الحسيني

باحث أكاديمي ومتخصص في الكتابات والخطوط العربية والإسلامية

يُعتبر نجم الدين موسى بن على بن محمد المعروف بابن البصيص (ت716هـ/1317م)، من كبار الخطاطين في العصر المملوكي في دمشق، ومن أعلام الخط العربي المجودين المجددين والمبدعين، عرف بطريقته البديعة وأسلوبه الرائع في الكتابة، وقد طبقت شهرته الآفاق ورزق الحظوة عند رجال الدولة في مصر والشام، ولد في حماة سنة (651هـ/1253م) وتلقى تعليم الخط على والده وبرع فيه منذ نعومة أظفاره، وظل يخدم حقل الخط العربي كاتبًا ومعلمًا زهاء خمسين عامًا حتى وفاته سنة (716هـ/1317م)، وقد أفاض معاصروه ومن جاء بعده من المشتغلين بالتاريخ في الاحاطة بترجمته؛ فذكروا أنه كان شيخ الخطاطين في دمشق وأن خطه من ناحية الجمال والوضوح فاق أسلافه من أعلام الخط العربي النابغين، وأن خطه كأنه حدائق ذات بهجة، وأنه كتب الأقلام السبعة وتفرد بكتابة الخط المزدوج وبإتقانه عمن سبقه، كما اخترع قلمًا جديدًا؛ كأنه رأى صعوبة اتقانه أو رأى اتصافه بالجمال البارع فسماه (المعجز)، وأنه كان صاحب شعر صوفي وذكروا أطرافًا من هذا الشعر.

وكدأب أغلب المشتغلين بالتاريخ في العصور الوسطى؛ عرض أولئك المؤرخين ترجمة ابن البصيص مستوفين الشروط التي كان يحرص المؤرخون آنذاك على استيفائها، فقد سلطوا الضوء حياته وصفاته الخلقية والجسمية، وتلامذته الذين تعلموا على يديه وصاروا من الأعيان ونبغوا في مجال الخط والفقه والإنشاء، كالقاضي كمال الدين محمد بن على الزملكاني (ت727هـ/1326م)، القاضي الخطاط بدر الدين الحسن بن على المعروف بابن المحدث (ت733هـ/1332م)، والقاضي الخطاط علاء الدين بن الآمدي (ت764هـ/1362م)، وأبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت774هـ/1372م) المفسر والفقيه والمؤرخ المعروف، كما ذكروا بعض الخطوط التي أجادها أو التي اخترعها ونسبت إليه.

          ولكن المؤرخين أهملوا أطرافًا ذات بال في حياة الذين ترجموا حياتهم في كتب التراجم والطبقات والحوليات، وما أكثر ما أهمله التاريخ والمؤرخين، ففيما يختص بالخطاطين القدامي أهمل أغلب المؤرخين –إلا فيما نذر ولعلهم كتبوا ولم يصلنا من ذلك شيء- أهملوا ذكر أعمالهم الخطية على العمائر وعلى التحف التطبيقية أيضًا، ربما اعتبروا ذلك أوليات يعرفها الناس جميعًا، ومعلومات بسيطة مسرفة في البساطة مألوفة أشد

 

 

الألف لا تحتاج إلى تكلف معرفة، وهي بالنسبة لهم من الحشو الزائد ليست أقل إغراقًا في البداهة، وأغلب الظن أنهم اطمأنوا إلى بقائها وخلودها أكثر من بقاء وخلود مؤلفاتهم التاريخية، فاعتمدا على ذلك ولم يكتبوا عنها، ثم نسجت الأستار الكثاف بيننا وبين تلك العصور وعدى النسيان على كثير من مسلماتها، مما جعل مهمة الباحثين عنها من أعسر المهمات.

          وعلى غير تلك العادة فقد خالف المؤرخ الدمشقي صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي هذا المذهب الذي سار عليه هو وأضرابه من المؤرخين؛ فذكر لنا عددًا من الأشرطة الكتابية التي مهرها ابن البصيص بيده على العمائر في مدينة دمشق وعلى الأواني المعدنية وكل ما كان ينتجه الصناع ويحتاج إلى أن يحلى بالخط بما نصه:وكتب (أي ابن البصيص) شيئًا كثيرًا الى الغاية من الدروج والقطع والطراز الذي في الطّارمة، والذي على باب دار السعادة، والذي في الظاهرية الجوانية والذي على باب الأمير سيف الدين بهادر آص، كل ذلك بخط يده، وقد تغير طراز دار السعادة مرات وأعاد عليه الدهانون، وأصوله باقية ومعالم حسنها بادية وكان يكتب على الطاسات وعلى ما يُنقش، ويطعّم كل سطر بدرهم ويكتب في اليوم جملة من ذلك مستكثرة).

          وهذا نص الذي ظفرنا به لا سبيل إلى الشك فيه والذي يسد النقص في قلة عدد توقيعات الخطاطين القدماء، يخبرنا أن الخطاط ابن البصيص كتب الأشرطة التي كانت على الطارمة التي كانت تعلو بعض أبراج قلعة دمشق وقد اندثرت هذه الطارمة، وأن ابن البصيص كتب أيضًا الطراز الذى كان على باب دار السعادة وكانت مقرًا لنواب دمشق واندثرت أيضًا، وهو الذي رقم الأشرطة الكتابية على باب تربة الأمير بهادر آص وكانت في مقبرة الباب الصغير أو على داره، وقد درس كل ذلك، وأن ابن البصيص كتب أشرطة على بعض الأواني المعدنية موزعة بين المتاحف، وكتب أشرطة على أثر ما زال باقيًا شامخًا محافظًا على بهائه، وهو المدرسة الظاهرية الجوانية أو مدرسة وتربة الظاهر بيبرس وتقع هذه المدرسة جوار الجامع الأموي شمالىّ باب البريد، في مواجهة المدرسة العادلية الكبرى من الناحية الشرقية، أنشأها الملك السعيد محمد بركة خان بن بيبرس تربة لوالده وداراً للحديث ومدرسة للشافعية وأخرى للحنفية.وهذه الأشرطة الكتابية تشغل المداميك البيضاء في جوانب دخلة الباب وعددها خمسة سطور تضم مختصر وقفية المدرسة فيها ذكر الأوقاف التي وقفت على المدرسة تاريخها سنة (676هـ/1277م)، ونص تكملة المدرسة على يد السلطان المنصور قلاوون بعد وفاة السلطان محمد بركة خان بن الظاهر بيبرس حوالي سنة (686هـ/1287م)، وتعتبر نقوش

 

 

المدرسة الظاهرية من أجمل نماذج النقوش الباقية من المدرسة المملوكية الشامية، كتبت بيد قوية ماهرة متزنة، وفيها حياة وحركة، وتضح مدى ما بلغه ابن البصيص في تطوير الخط، وتوضح أسلوبه الكتابي.وتقوم الدراسة على ترجمة ابن البصيص وبيان دوره في المدرسة المملوكية للخط وشرح أسلوبه في نقوش المدرسة الظاهرية، والحكم من خلال المقارنة على نقوش بعض العمائر التي تقع في فترة حياة ابن البصيص، ومحاولة نسبة بعضها إلى مدرسته الفنية، وكذلك تأريخ بعض التحف المعدنية الدمشقية التي يتشابه أسلوب نقوشها مع أسلوب ابن البصيص بشكل أكثر قربًا، كما تسعى الدراسة إلى البحث عن نماذج خطية لابن البصيص في المجموعات المتاحف الدولية.       

 

الدورة الرابعة لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى