خطوط شواهد القبور وأهمية دراستها

الباحث: 
محمد الديب

باحث لدرجة الماجستير في الآثار والفنون الإسلامية

 

لاقت شواهد القبور اهتمام كبير منذ القدم , فلقد دعت الحاجه إليها وإلى عملها مصداقا لقول النبيﷺ عند وفاة عثمان بن مظعون والحديث رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك , عندما سئل النبي ﷺ عن وضعه لحجر أعلى قبر عثمان بن مظعون فقال عليه الصلاة والسلام : " لكى أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي " فكانت الفكرة في عمل الشاهد حتى يكون علامة وتمييزا له فقط دون إسراف أو تبذير , ولا يكون أعلى من الأرض لقول النبي ﷺ: "خير القبور الدوارس" أي المستوية بالأرض، وهنا ايد البعض الرأي بجواز عملها  وعارض البعض الآخر ولكن ما يهمنا هنا هو دراسة النقوش الشاهدية المكتوبة على هذه الشواهد من حيث أمرين:الأول: أنواع الخطوط الموجودة على شواهد القبـــور.الثاني: أهمية دراسة تلك الخطوط والنقوش الموجودة. أولا: "أنواع الخطوط الواردة على شواهد القبور"تنوعت اللغات وكذلك الخطوط التي كتبت بها شواهد القبور، فعلى سبيل المثال يجب الإشارة إلى الخط النبطي الذى كتب به قبل الإسلام والذى انقسم إلى خطين أحدهما يابس والآخر لين "مقور"، ويتمثل الخط النبطي في أقدم إشارة لشاهد قبر قبل الإسلام وهو شاهد قبر إمروؤ القيس المعروف بـنقش النمارة والمؤرخ في سنة 223 ق.م، يليه في القدم شاهد قبر فهر بن شلى المؤرخ بـ  106م،  كلاهما كتب بالخط النبطي الذى اشتقت منه اللغة العربية والخط العربي، الذى تنوع في خطوطه ما بين: (الكوفي بأنواعه، النسخ، الثلث، الفارسي).

ونلاحظ أن الخط الكوفي بشكل عام والبدائي بشكل خاص كان له السبق في البداية و الظهور ونلاحظ أنه كان خالي من النقط والإعراب وكذلك الهمزات وألفات المد وتمثل ذلك في أقدم مثل لشاهد قبر في العصر الإسلامي بحالة جيدة مؤرخ بعام  31 هـ، وهو شاهد قبر موجود بمتحف الفن الإسلامي  لـ "عبد الرحمن بن (خير/ جبر) (الحجري / الحجازي)، واستمر الخط الكوفي يتأرجح ما بين البدائي والبسيط ومتقن الطرف وذو الأرضية النباتية على شواهد القبور حتى اواخر العصر الفاطمي وبداية العصر الأيوبي ونلاحظ أنه مر بمراحل كثيرة أدت إلى تطوره عبر التاريخ من حيث الإعراب والإعجام فظهرت النقاط وكذلك التشكيل أحيانا والهمزات والمدات أيضا , أما في بداية العصر الأيوبي نجد شيوع الخط اللين وهو أكثر من نوع و لكن هنا نذكر " خط النسخ " الذى استمر في العصر الأيوبي والمملوكي على شواهد القبور،  و لكن الجدير بالذكر أن خط النسخ لا يعد تطورا للخط الكوفي، فالخط الكوفي والنسخ انبثقا من الخط النبطي إلى اللغة العربية وكتب بهما في بداية العصر الإسلامي فاستخدم الخط الكوفي في الكتابات والنقوش التذكارية التي لها قدر كبير

 

 

من الأهمية وعرف بالخط اليابس، أما الخط اللين فكتبت به في الدواوين والمراسلات وكل ما يخص النسخ نظرا لسهولة وسرعة كتابته فعرف "بخط النسخ" ويعد كلا من ابن مقلة وابن البواب وياقوت المستعصمي لها أكبر الأثر ففي نبوغ ذلك الخط وفى وضع معاييره وشروطه ونسبه الفنية الدقيقة.من الخطوط اللينة أيضا التي عرفت على شواهد القبور هو خط "الثلث" وعرف بذلك لأنه ثلث خط الطومار ويساوى 8 شعرات من شعر البرذون، ولاقى شيوعا كبيرا على شواهد القبور المملوكية والعثمانية، بالإضافة الى الخط الفارسي المعروف بخط "النستعليق".

وتكمن أهمية دراسة الخطوط الواردة على شواهد القبور، في التأكيد على أنه لم تكتب اللغة العربية فقط بالخط العربي بل وجدت إلى جوارها أربع لغات أخرى كتبت بالخط العربي وهي: (التركية – الهندية – الفارسية – الإفريقية). ويمكن ملاحظة أن مضامين النقوش الكتابية الواردة على شواهد القبور ذكرت أسماء بعض القبائل العربية وغير العربية  كـ (التركية و الفارسية) التي هاجرت و استقرت في بعض المناطق مثل مصر على سبيل المثال، فلقد أثرت لهجات هؤلاء على اللغة العربية بشكل عام والخطوط المدون بها في تلك الفترة بشكل خاص، فعلي سبيل المثال نجد بأنه كتب: "توفى يوم الثلاثي/ الأربعة" للدلالة على يوم الثلاثاء أو الأربعاء، كذلك كلمة "نسل" فكتبت بصيغة "نصل"، وكلمة "هذ / هذا / هاذا" بتلك الصيغة، و كلمة "زوجت" وليس زوجة، وغيرها،فهل كانت تلك الصيغة  لهجة متبعة، أم خطأ وقع فيه الخطاط أو النقاش (الغير عربي) لعدم دراية بأصول وقواعد اللغة العربية.

طرح فكرة أنه احتكار الأقطار الإسلامية في بعض عمائرها نوعا ما من أنواع الخطوط، بالإضافة لمعرفة أنواع الخطوط التي قدر لها الشيوع على شواهد القبور في كل عصر من العصور، ورسم صورة دقيقة لكل خطاط من خلال دقته ودرجة استيعابه لتلك الخطوط بنسبها ومعاييرها المختلفة. ومعرفة مراحل تطور تاريخ الخط العربي باختلاف أنواعه منذ بداية العصر الإسلامي وصولا إلى شكله الحالي، وبالتالي يمكن تأريخه أو نسبته لفترة تاريخية معينة من خلال طريقة رسم الحروف والكلمات. التعبير عن السمات الخطية وشخصية كل فنان "خطاط" ومعرفة مدى إتقان أنامله للخط الذي كتب به النقش الشاهدي فلقد اعتبر الخطاطون شواهد القبور على أنها لوحات فنية ولذلك أبدعوا في رسم خطوطهم وترك بعضهم توقيعهم عليها لما يراه من هيبة وإجلال لتلك اللوحة الفنية بأن يفتخر بذكر اسمه عليها.من خلال دراسة الخطوط والنقوش الشاهدية (الموقع أدناها) والأخرى الغير موقعة يمكننا من خلال المقارنة نسبة الشواهد الغير موقعة لخطاط معين من خلال تشابه السمات الخطية والفنية لكل خطاط، وطريقته المتبعة في رسم الكلمات والحروف وبالتالي سهولة تأريخها. إلى جانب معرفة معلومات قيمة وفريدة عن الخطاطين وأهل الصنعة من خلال نقوشهم وكتاباتهم، وخاصة أن المصادر والكتب الأدبية وكتب التراجم لم تكتب عنهم سوى القليل خاصة أنهم كانوا يحيطون أنفسهم

 

 

وصناعاتهم بشيء من السرية يتوارثه الأحفاد عن الآباء والأجداد. (القصيدة الرائية لابن البواب). ولم تقتصر الأهمية فقط على أنواع الخطوط ومعرفة سمات وخصائص كل خط، بل امتدت الأهمية لتشمل الجانب الجمالي الروحي، فكما ذكرت أنه اعتبر الشاهد لوحة خطية فريدة أبدع فيها، فاستطاع الخطاط تطويع الخط وحروفه حتى يعطيه المسحة الجمالية الروحانية التي تمس الذوق والفن. من خلال دراسة الخطوط الواردة على شواهد القبور أمكننا معرفة ووضع النسب والمعايير الفنية الثابتة والقواعد الدقيقة لرسم وكتابة الحروف لكل نوع من أنواع الخط العربي.

 

التأكيد على أن التطور لم يكن فقط في (مضمون الخط) أي سمات الخط العربي ونسبه ومعاييره، ولكن امتد التطور ليشمل الشكل العام للنقش الشاهدي وذلك من خلال:التوقيع بأسماء الأقطار العربية على سبيل المثال: "كتبه محمد رفعت في مصر"، يمكننا معرفة مراكز الصناعة وأماكنها وحصر ومعرفة أنواع الخطوط التي قدر لها الشيوع في ذلك القطر، بل ودراسة التأثيرات الخطية المختلفة لتلك المراكز. وإثبات أن الفنان المسلم (النقاش – الخطاط) استطاع تطويع المادة الخام التي استخدمت في صناعة الشاهد سواء كانت من (الرخام / الحجر / الجص/ الخشب)، على الرغم من صعوبتها، حتى تلائم ذوقه وحسه الفني وإبراز شخصيته الفنية وقدرته على الإبداع فيكتب على الرخام مثلما يكتب على الورق كأنه ليس هناك فرق. ومن خلال دراسة النقوش الكتابية نذكر أنه تم استخدام أكثر من طريقة لعمل النقش الكتابي وهي: أولا طريقة "الأسلوب التنقيطي": وهو عبارة ورق شفاف أو مقوى أو صفائح من المعدن بها ثقوب مفرغة توضع على الشاهد في المساحة المتاحة ثم يتم وضع مسحوق الفحم في تلك المناطق لتعيين الخطوط الرئيسية للحروف والكلمات قبل الحفر. ثانيا طريقة "صب الرصاص": حيث يقوم الفنان أو الصانع بتفريغ النقوش الكتابية "حفر غائر" ثم يقوم بمليء هذه النقوش الغائر بمادة الرصاص ويتركها حتى تثبت فتظهر بلون مغاير عن الرخام الأبيض. عن كتابة النص بالمداد فوق الشاهد ثم يتم حفر مجموعة من النقاط السطحية المتماسة فوق المداد ثم يعاد تحبيرها مرة أخرى ولكن المداد لا يقاوم الزمن ويحدث ارتباك في تلك الطريقة بسبب علامات الضبط.

من خلال دراسة الأخطاء الواردة أو "الظواهر الغريبة"، يجب الانتباه إلى أن الكتابات تضع لنا بعض الأسئلة مثل: هل كان الخطاط "عربي الأصل أم لا" وإن كان عربيًا أو أعجميًا هل كان الخطاط على دراية كافية بقواعد اللغة العربية ذاتها ونسب ومعايير كل حرف في كل خط ؟. هل كان النقاش (متعلمًا أم جاهلاً) للغة العربية نفسها وإن كانت الأولى فهل كان على دراية كافية بنسب وقواعد ومعايير الخط العربي المكتوب به حتى ينفذها كما تركها له الخطاط ؟. وهل أثرت الحالة الاقتصادية والاجتماعية على نفسية الخطاط فأثرت بدورها على طريقة رسم الحرف، من حيث أنها لم تصبح على درجة من الكفاءة والدقة أو لاقت تخبطا في

 

بعض الفترات طبقا للحالة المجتمعية التي يعيش فيها مثل تفشى وباء الطاعون ففي العصر العثماني بالإسكندرية؟. ومن خلال وجود العديد من الأخطاء الكتابية لشواهد القبور يمكننا الاستنتاج بأنه لم تكن هناك أي جهة رقابية رسمية تشرف على شواهد القبور ونقوشها الموجودة عليها.

الدورة الرابعة لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى