خبيئة الشيخ محمد عبد الرحمن الخطاط

الباحث: 
دكتور محمد حسن

باحث أول بمركز دراسات الكتابات والخطوط، مكتبة الإسكندرية

 

مازالت المدرسة المصرية في الخط العربي تكشف يومًا بعد يوم عن كنوزها وآثارها الخطية الخالدة، ولعل السبب الرئيس في عدم المعرفة بها، هو كثرتها ووجودها في حوزة الكثير من الأسر التي تحتفظ بذلك التراث، ضمن ما ورثوه عن أباءهم وأجدادهم. وأخر ما كُشف عنه حديثًا مجموعة لوحات وأصول في حوزة الفنانة التشكيلية "ابتسام زكي" حفيدة الشيخ محمد عبد الرحمن، حرم السفير أسامة العشيري رئيس النادي الدبلوماسي المصري، الذي احتفظا بكنوز الخطوط العربية للشيخ محمد عبد الرحمن طوال 40 سنة كاملة.

والشيخ محمد عبد الرحمن مواليد 1890م، ببلدة الميمون بمحافظة بني سويف، وحفظ القرآن الكريم وجودَّه، والتحق بمدارس المعلمين الأولية والأزهر الشريف، تلقى تعليم الخط العربي وفنونه على يد الأستاذ محمود عبد الرازق والشيخ عبد الغني عجور، ثن عُين مدرسًا للخط العربي بالمعهد الأزهري بالإسكندرية عام 1909م، ثم انتقل للعمل بمصلحة المساحة المصرية عام 1919م، وكنت مصلحة المساحة تختار في صفوفها خيرة الخطاطين المصريين للعمل وإعداد الخرائط وما يستلزم ذلك العمل من دقة فائقة، وكانت ايضًا مسئولة عن طباعة العملات الورقية، والطوابع البريدية، والشيكات، والمحافظ المالية المختلفة. وعمل ايضًا بجانب عمله الأساسي في مصلحة المساحة مدرسًا للخط العربي بمدرسة تحسين الخطوط الملكية وقتها. وكشفت مجموعة الأوراق ضمن خبيئة الشيخ محمد عبد الرحمن أنه كان يعمل أيضًا "خبيرًا" للخطوط والمضاهاة والتزوير في المحاكم المصرية، وهو التخصص الهام الذي للأسف أندسر من مصر، وكان يتولاه خريجي مدارس الخطوط العربية الممتازين، لخبرتهم بالتزوير والأحبار وما إلى ذلك من أعمال تتولاها حاليًا مصلحة الطب الشرعي، والعاملين بها هم خريجي كليات الطب والصيدلة والعلوم.

للشيخ محمد عبد الرحمن مجموعة خطية اسمها ""كراسة الخط الواضح"، ومجموعة أخرى لخط الرقعة، ومن آثاره الفنية كتابة مسجد أحمد طلعت بك بالسبتية بالقاهرة، وأحمد طلعت بك هو صاحب واحدة من

 

أكبر المكتبات التي تم إهدائها لدار الكتب المصرية، خط الشيخ محمد عبد الرحمن مجموعة كبيرة جدًا من أغلفة الكتب الأدبية والتاريخية والسياسية، وكانت له بصمة كبيرة جدًا في الخط الرقعة، وإكسابها طابعًا جماليًا مميزًا، ولعل القطعة الخطية " الحكمة والإسكندر" وعلى الرغم من كونها سطور قليلة إلا أنها تشي باقتدار هذا الرجل وإجادته الفنية. وله قطعتين خطيتين أهداهما للملك فاروق بمناسبة زواجه عام 1938م، كما أنه كتب الباب البحري لسراي الأمير محمد علي، وتوفي عام 1950م. تتكون المجموعة التي كشفت عنها الفنانة ابتسام زكي، مجموعة لوحات أصلية عددها يتجاوز عددها 10 لوحات أصلية مزخرفة، ومتقنة، أهمهم: "لوحة سُنة الرسول ﷺ"، وهي تضم حديث نبوي شريف عن الأمام علي كرم الله وجهه، وهي بخط الثلث على هيئة لوحات بيضاوية بالخط الثلث، ضمت اللوحة 17 تكوينًا بخط الشيخ محمد عبد الرحمن، ومؤرخة سنة (1357هـ/ 1938م)، وتبدأبالخط الجلي الديواني بنص "حديث نبوي شريف"، ثم رواية الحديث بالخط الإجازة، ثم نص الحديث في 17 تكوين بيضاوي بالخط الثلث، والأركان تضم نص الشهادة، وبعض أسماء الله الحسنى، لكن المميز في تلك الأركان هو استخدام زخرفة نباتية لزهرة "اللوتس" المصرية، التي استخدمها الفراعنة وبكثرة، واللوحة مثال واضح على تمكن الشيخ ودقته.وتكوين بالخط الثلث الجلي، تحيطه آيات قرآنية دائرة التكوين بالخط الثلث العادي، للحديث الشريف: "إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"، والتصميم على هيئة دوائر وزخارف من ابتكار فؤاد وهبة وخطوط الشيخ محمد عبد الرحمن، واللوحة مؤرخة (1359هـ/ 1940م).ولوحة تضم تكوين بالخط الثلث الجلي والنسخ: لنص حديث الرسول ﷺ "حجوا قبل أن لا تحجوا"، وبقية الحديث بخط النسخ، واللوحة مؤرخة بسنة (1359هـ/ 1940م)، وبخط الشيخ محمد عبد الرحمن، والزخارف المؤطرة للوحة مميزة في تصميمها وأوانها الغير معتادة سواء الموجودة في الزخارف أو الموجودة في الخلفية.

المجموعة في مجملها تؤكد على الريادة والتنوع في النتاج الخطي الذي شهدته المدرسة المصرية في فن الخط العربي والزخرفة العربية والإسلامية المبتكرة والغير مكررة، كما تفتح المجال لدراسة مجموعة من المزخرفين الذين زخرفوا تلك الأعمال للشيخ محمد عبد الرحمن، وهم (عبد المنعم الشاكري، فؤاد وهبة، أحمد لطفي)، وهو أمر نادر أن نجد توقيع المزخرف على الأعمال الخطية خلال تلك الفترة. وتوضح تواريخ الأعمال الخطية فترات الازدهار الفني التي تظهر للفنان، وتطور أعماله الفنية، ورؤيته الفنية النهائية للعمل، خصوصًا وأن العمل في صورته النهائية يكون مسئوليته، وبناء على خبراته التراكمية التي نالها بالممارسة والعمل. والشيخ محمد عبد الرحمن واحد من عشرات ولا نبالغ لو تحدثنا عن مئات الخطاطين المصريين الذين شهدت فترة النص الأول من القرن العشرين ازدهار شديد لأعمالهم ونتاجهم الفني والإنسانين ويحتاج هذا التراث إلى تظافر المؤسسات العاملة في حقل الثقافة والتراث لجمعه وتوثيقه، وقراءته فنيًا وتاريخيًا.

 

الدورة الرابعة لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى