«الخط العربي هوية أمة ..وإبداع فنان» الصوت، الشكل، الدلالة (الحروفية من العلامة اللغوية إلى العلامة البصرية.. ثلاث أبعاد تنسج هوية أمة)

الباحث: 
نهى حنفي

فنانة تشكيلية حرة، باحثة في مجال تاريخ الفن

 

مظاهر العناية بالخط العربي كفن لصيق بالممارسة الشعائرية وكتابة النص المقدس يتناغم في إطار الهوية الإسلامية ككل، فتفرد له طقوس الممارسة ويتم تلقيه مباشرة من علماؤه من خلال سلوك مسار تعليمي وسلوكي أحياناً مشابه لمسارات الإجازة العلمية بالعلوم الشرعية الدينية، في إطار يرسخ لرصانة قواعده وتواترها كإرث نفيس. وانسلخت الحروفية عن الكتابة التقليدية ومحاولة في خلق هوية منفصلة عنها هي أقرب للمفردة التشكيلية أكثر من النص المحكوم بالقاعدة والدلالة، فظهرت موجات الحروفية بداية من الالتزام بالنص والدلالة الحاكمة له، والالتجاء إليه كممارسة تصدح بالحس العروبي مواكباً بذلك الحراك الاجتماعي في مصر ثم اكتشاف إمكانيات الحرف التشكيلية بعيدًا عن وظيفته الدلالية المحكمة، أو توظيفه جمالياً لاستدعاء حمولته التراثية، أو تكئة لاستساغة الاتجاهات التجريدية اللاموضوعية باستخدامه كعنصر ذو دلالة.

وتعتبر الممارسة الحروفية كمجال رحب حمّال أوجه للتأويل، يسع التجريدية الشكلانية البحتة مرورًا بالتأويلات السيميوطيقية للفلسفات الصوفية، كذا كونه مجال محمَّل بالأحكام المسبقة بوصفه نمطا تراثياً ذو معايير صارمة ومرجعيات تاريخية محددة يصعب انفكاكه عنها مما يجعله مساحة مضمونة لشريحة من الممارسين المعنيين بجماليات الحرف التقليدية والتي لها دائرة تلقي لا تحبذ كسر أفق التوقعات. ومع خروج الممارسة الحروفية عن الإطار الإقليمي اتسعت دائرة تلقيها لتشمل المتلقي الغربي الذي تلقفها بدوره من خلال موروثه الخاص غير منفكة عن خلفيتها الاستشراقية، بوصفها علامة بصرية ذات مجموعة من الدلالات المرتبطة بالنص القرآني المقدس أو الهوية الشرق أوسطية الإسلامية بالضرورة في لزوم ذهني بين ما هو عربي وما هو إسلامي، مما يخرج الحرف من وظيفته اللغوية إلى وظيفة رمزية تخضع للتشفير، وإن لم يكن تشفيرًا كاملاً نظرًا لما ورد من تداعيات مسبقة لصورة الحرف العربي.

في مستوى آخر لممارسة الحروفية من منطلق فصل الدال عن المدلول واستلهام القيم الشكلية للرمز/الحرف، تأتي اشتغالات «بول كلي» في تناول بعض رموز اللغات الآسيوية والإفريقية ذات النمط الصوريLogogram ، والتي تحقق فيها جانب التشفير التام للنص بوصفه مجهول الدلالة اللغوية والصوتية لدى متلقيه الأجنبي، و هو ما يفتح أفق تلقيه صوريا على مصراعيها والانشغال بتداعياتها الشكلية وخلق العديد من القراءات لها عن طريق المراوحة في ممارسة التشفير Coding وفك الشفرةDecoding ، لتتألف قراءات بعدد المتلقين، أو لا تتألف.

 

الدورة الرابعة لملتقى القاهرة الدولى لفن الخط العريى