نــدوات المهـــرجان

 

ندوات اليوم الثالث

 

 

"سكتم بكتم "..فرجة شعبية بنكهة جاهينية

** د.محمد زعيمة : جروتيسك ومنمنمات اعتمدت علي تراث صلاح جاهين لتصنع المعني والتأثير

** محمود الحلواني : عرض ممتع رغم غياب نسق درامي حاكم ..

واحمد خميس "الاستعراض كان مخنوقا جدا "

** دعاء طعيمة : انا مش دراماتورج ..

                       وانهيت العرض بمشهد حزين كما في الليلة الكبيرة

 

تابعها : مهدى محمد مهدى

في ثالث ايام الدورة الخامسة من المهرجان القومي للمسرح ووسط حضور جماهيرى كبير شاهدت لجنة تحكيم المهرجان عرض "سكتم بكتم" للمخرجة دعاء طعيمة على قاعة مسرح الغد وبمجرد  انتهاء العرض بدأت فعاليات الندوة النقدية عن العرض والتى أدارها الدكتور محمد زعيمة وشاركه علي المنصة الناقدان  أحمد خميس ومحمود الحلوانى

 دكتور  زعيمة اعتبر نفسه وخميس والحلواني "مجموعة محظوظة "  بما شاهدته من  عروض شاركت فى ندواتها لانها  كانت عروض تتسم بالجدية والتميز الفكرى ومنها "سكتم بكتم "  الذى تحدث زعيمة عن صناعه قائلا: أنا فى سعادة خاصة لأن معظم العاملين من أبناء المعهد وهو ما يؤكد على أننا نملك جيل قادر على حمل لواء المسيرة والاستمرار فى تقديم مسرح جيد ونطمح أن يكون لهذا الجيل نصيب أوفر من سابقيه فى تقديم فن أرقى وأفضل وأنا مبدئيا أحيي صناع هذا العرض على المجهود الكبير وأستبشر بهم خيرا فى خلق حركة مسرحية مميزة فى الأعوام القادمة و بان يكونوا من نجوم مصر

واضاف : عرض اليوم يفرض علينا مجموعة من الملاحظات والتفسيرات بداية من عدم ارتكاز العرض على نص بقدر كونه يرتكز على إعداد لمجموعة من أشعار صلاح جاهين وتم من خلالها تقديم ما نطلق عليه "الفرجة الشعبية "مستفيدا من عناصر التراث الشعبى المعروفة وكانت الاستفادة الأساسية من بنية عرض "الليلة الكبيرة"  وتعشيق هذه البنية مع مجموعة أخرى من أشعار جاهين والكثير من الاغانى المعروفة والتى لها فى نفوس أمثالي من الجيل الأقدم تأثير ودلالات خاصة وعندما يقوم المبدع باستدعاء هذا التراث من سياقه فيجب أن يكون له دلالة جديدة ومعنى يخص مبدعو العرض وهذا يضعنا أمام مدى الإجادة التى حققتها رؤية المخرجة ونحن هنا لا نحكم حكم قيمة بقدر ما هو تفكير فى تحليل العرض وكيف تم تصنيعه وكيف تعامل صناعه مع عناصره وذلك وصولا لتحقيق الرؤية التى قد نختلف أو نتفق معها لأن الرؤية تخص الذوق الشخصي ومستوى التفكير المتباين من شخص لأخر وأنا سعيد اليوم لوجود ناقدين مهمين فى الحركة المسرحية معى اليوم هما الأستاذ أحمد خميس والأستاذ الشاعر محمود الحلواني وهى فرصة أن نبدأ به كشاعر فى عرض يتناول أشعار صلاح جاهين.

انتقلت الكلمة للأستاذ محمود الحلوانى الذى بدأها بشكرصناع العرض جميعا بداية من دعاء طعيمة وحتى أصغر طفل مشارك فى العرض وذلك للمجهود الطيب الذي بذلوه والجميل فى سياقه والممثلين الذين كان لهم حضور قوى فى الأنماط التى قدموها

ثم دخل  الحلواني إلى عالم العرض قائلا: العرض لا ينتمى للدراما الأرسطية لأنه لا بقدم  حدثا دراميا متصاعدا بل يبتعد عنها لينهل من المسرح الاحتفالي الذى يهتم بفنون الأداء الشعبية مثل الاراجوز بما ينطوى ذلك من أداء تمثيلى مختلف عن الأداء الارسطى بل هو أداء كاريكاتورى لانماط تؤدى أشعار صلاح جاهين وهذه الأشعار هى التى تحقق رصيد كبير من النجاح قبل أن يبدأ العرض وتعطيه نكهة جاهينية شعبية فلسفية وأى مشاهد تغريه مشاهدة صلاح جاهين على خشبة المسرح

واضاف : إذا بدأنا بديكور هذا العرض سنجده  مشهدا احتفاليا يتوازى مع "الليلة الكبيرة" فالمكان هو المولد بألوانه المبهجة والألعاب والباعة المتجولين فنحن بالفعل فى زمن ومكان المولد وهو ديكور ناجح لأنه أخذ قلب صلاح جاهين وقد شاهدنا فرجة جيدة وممثلين رائعين ربطونى معه طوال الوقت ولكن لم يكن هناك نسق درامى وعند جاهين فى "الليلة الكبيرة" لم يكن يحتاج إلى نسق درامى حاكم بل كان يقدم أنماطا وليس دراما وعندما انتقل من هذه الاحتفالية الى الدراما أحتاج الى نسق يربط كل هذه الانماط وكان هذا العرض  بحاجة الي وجود دراماتورج يعد أشعار جاهين فى مشهد عام له ملامحه وتضاريسه الخاصة لهذا وجدنا الكثير من الأشعار تلقى فى غير محلها وبدون نسق والشعر لا يفهم إلا عبر نسق والعلامة اللغوية لا تفهم إلا عبر سياق وهذا ما أفتقده العرض وأنا لا أطالب بمسرح درامي أرسطي ولكن أطالب بعامود فقرى أو نسق حاكم لهذه الاشعار المتناثرة التى أستمتعت ببعضها عندما كان داخل نسق ولكن العرض نجح فى تقديم أنماط رائعة بفضل مجموعة الممثلين الذين ربطوا الصالة بهم طوال وقت العرض الذى كان مفتوحا بسبب عدم وجود هذا الربط الذى ذكرته بين المشاهد فالعرض كان من الممكن أن يمتد لأكثر من زمنه هذا وكان من الممكن أن يختصر لأقل من هذا وهو ما يؤكد على ما قلته وأنا شاكر جدا لدعاء طعيمة على اختيارها لصلاح جاهين لقدرته الشعرية على تقديم أنماط درامية فلسفية وسخرية وحكمة وحالات مختلفة جدا أثرت العرض وشكرا لجميع المشاركين فى العرض.

عادت الكلمة مرة أخرى للدكتور محمد زعيمة الذى أكد على أشارات الحلوانى المهمة على مستوى الدراما وقال: قدرة أشعار جاهين الدرامية تؤكد امكانية عرضها على خشبة المسرح وملحوظة الحلوانى عن أسلوب اعداد العرض مهمة وهو ما يراه من يشاهد العرض من الخارج أما من داخل العرض فتغريه حماليات الشعر ولهذا كان يجب الالتفات للإعداد ومتى وأين وكيف أضع وأوظف هذه الأشعار وفكرة الشكل الشعبى وقدرة الممثلين وتقديمهم للأداء النمطى تتطرح تساؤلات كثيرة حول ضرورة وأهمية تناولنا للعرض من خلال جلوس الجمهور على شكل حدوة حصان وأسلوب الديكور وكلها تساؤلات نترك الإجابة عليها للناقد أحمد خميس.

بدأ أحمد خميس كلامه بمداعبة زعيمة بأنه لن يجيبه عن أية تساؤلات ثم انتقل للحديث عن أسلوب المخرجة من خلال متابعته لعروض سابقة لها قائلا: أسلوب عمل دعاء بداية من عرض "يا ما فى الجراب" و" شكلها باظت" ثم عرض اليوم هو أسلوب يهتم بالإطار الفانتازى الذى يعتمد على تقديم أكثر من فكرة وتيمة داخل نسيج العرض الواحد والممثل عندها يلعب أكثر من دور ولا يكون الديكور ثابتا بل يستخدمه الممثل بشكل مستمر واعتقد أنه لولا إمكانيات مساحة قاعة الغد لاستخدمت نفس الأسلوب فى عرض اليوم لتفعيل المشهد المسرحى كما فعلت فى "شكلها باظت" ولا مانع عندى من عدم تواجد نسق لمجموعة التيمات والأفكار التى فى العرض لأنه هناك اتفاق ضمنى بين الجمهور وصناع العرض على هذا وأتفق مع الحلوانى فى أن بعض الأشعار والأفكار داخل العرض كانت مجانية ولم أصدقها كمتلق وتم وضع علامات من أشعار جاهين بشكل متهافت وقراءة القصيدة لم تأخذ وقتها ومن غير المفيد تقديم رباعيات جاهين بشكل مجانى داخل العرض وهي التي  اعتبرها بعض النقاد أنها أهم عمل شعرى بالعامية فى القرن العشرين فى الوطن العربى وأنا سعيد باهتمام العرض بالإطار الفانتازى وتقسيم الممثلين لمجموعتين واحدة منهم ثابتة والأخرى تقوم بمجموعة من الأدوار الصغيرة والمختلفة طوال الوقت وهذا ما صنع بناء فانتازى سريع الذوبان عند المتلقى ثم كانت فكرة الاستعراضات ومدى توافقها مع مساحة الغد الصغيرة مع هذا العدد الكبير من الممثلين وقد شعرت أن الاستعراض مخنوق جدا ولم يستطيع تجسيد  أفكار دعاء طعيمة وكانوا يحتاجوا لمسرح أكبر وسعيد جدا بالممثلين الذين أهتموا بأدوارهم جدا وكأنني أشاهد بلياتشو طوال لحظات العرض يتحرك بين لحظات مختلفة كثيرة وهذا الاسلوب مهم جدا فى بناء الممثل وتنوعه ولكن قابتنى صدمة فى مشهد السيدة التى تاهت أبنتها لأننا أتفقنا مع المتلقى على إطار فانتازى ساخر وفجأة تحول الجميع الى حالة من الحزن وأتكهرب الجو وكان يجب إعادة النظر فى هذا المشهد لأنه أحدث خللا مفاجئا قبل نهاية العرض بلحظات ونظرا للتناول الحر التى قامت به دعاء لأشعار جاهين فأعتقد أنها لم تقرأ كثيرا من أشعار جاهين لأن له أشعار مهمة كانت خارج اطار هذا العرض وكنت أتمنى لو تم الاستفادة بها مثل أشعار فيلم شفيقة ومتولى والتى أظهرت مدى فهم جاهين للدراما وللشخصيات التى يكتب عنها وأن لا أطالب دعاء بأشعار بعينها ولا بلحظات بعينها ولكن الاطار الحر الذى تعاملت به مع أشعار جاهين هو الذى يجعلنى أحاكمها من هذه الوجهة التى اختارتها حيث جعلنى العرض أتوقع وجود مجموعة من الأشعار لم أجدها من خلال تناول الممثلين السريع والفكاهى للأنماط الصغيرة التى يقدمونها والعرض كله يبدوا وكأنه احتفال بعبقرى شعر العامية المصرى صلاح جاهين وبالفعل يبدوا الديكور أنه مأخوذ من نسيج "الليلة الكبيرة" وهو إطار مناسب جدا لطبيعة العرض وطبيعة قاعة مسرح الغد وجعلها تفكر فى كيفية جلوس المشاهدين فى القاعة مع تقديم شكل سينوغرافى معبر فكان جيد جدا غزلها للجوامع مع البيوت القديمة والشوارع الضيقة بشكل رائع حتى التيمات والرسومات الشعبية الموجودة حول الجمهور كانت كلها تؤكد على الاتفاق الجيد بين دعاء طعيمة ومهندس الديكور أحمد أمين فى تنفيذ هذا الشكل وأنتقل بعد ذلك للرؤية الموسيقية التى قدمها عطية محمود والذى قام بإعادة صياغة أغاني "الليلة الكبيرة" والكثير من اغانى جاهين الأخرى بمنطق خفيف إلى حد ما يناسب هذا العرض وشكرا لهم جميعا.

أنتهت كلمة الناقد احمد خميس ليعود بعدها الدكتور زعيمة ليلفت الي  سعادته بوجود مثل هذه المجموعة من أبناء المعهد العالى للفنون المسرحية  معلنا انه  فخور بهم بسبب استيعابهم لفكرة النقد وقال : كنا نسأل فى المعهد لماذا يدرس طلبة  كل قسم  مواد الأقسام الأخرى ولكن يجب أن نفهم أن كل هذه الدراسة مهمة فى تناولك لكيفية إعداد عرض ومعايشتك وفهمك للشخصية التى تؤديها وفى هذا العرض نجد بنية مغايرة ونحن شعب بطبيعته يبحث عن الحدوتة وفى العرض لا توجد حدوتة وكلنا يعلم وكما تعلمنا فى المعهد أن الإبداع سابق على النقد ومن حق أى مبدع أن يقدم ما يريد ولكن بمنطق  نقبله وقد يقوم ناقد مثل أحمد خميس بالتنظير لهذا العرض ويضع قاعدة وشكل تقوم عليه عروض اخرى وفى عرض اليوم شاهدنا ما يشبه الجروتسيك أو المنمنمات التى تم تعشيقها لتعطى معنى وعلى رأى دكتور سيد الإمام اختلاف النقاد رحمة وهنا سأختلف مع خميس ليس اختلافا فكريا ولكن ما يسمى فى المسرح الحديث التأويل وكل شخص يتلقى العرض بطريقته الخاصة ويفسر علامات العرض طبقا لمنطقه الخاص وأن أرى أن مشهد السيدة التى تبحث عن ابنتها التائهة كان تحولا يؤكد على أننا فى عرض يتحدث عن المجتمع بكل تفاصيله وأشكاله وواضح أن دعاء طعيمة تضيف طول الوقت الى عرضها وبعد مرور سنة تقريبا على أول ليلة عرض نجد العرض يتطور فمشهد مثل مشهد المعلم صاحب القهوة وصاحب المكان الذى يتجمع فيه الجميع ويضمهم ويريد التحكم فى كل الناس هو مشهد له أبعاده الكثيرة الممكن طرحها عبره وكان من الممكن أن تكون لهذا المعلم دلالته الأقوى وكان من الممكن أن احمله فلسفة أعمق وحتى لا نتهم باننا نقدم جاهين صاحب الفلسفة العميقة بشكل بسيط ولكنها مرت سريعا ولكن هذا المشهد للمعلم يصنع الربط بينه وبين مشهد البنت التائهة وهناك أيضا ميزة مهمة فى ديكور العرض وهو استخدامه للون مرتبط بتراثنا الشعبى واستطاع فى الخلفية أن يصنع شيئا مهما وهو الجمع بين كل الأماكن داخل حيز واحد وكانت هناك خطة إضاءة وأسلوب إخراج ساعد على أن ينقلنى إلى عالم البيوت من الداخل ولكن أضر بفكرة العمل اللسان الطويل الممتد وسط المسرح واحيي مصمم الاستعراضات حيث استطاع توظيف ممثليه حسب قدراتهم وكانت معظم تلك الاستعراضات  مأخوذة من الألعاب الشعبية وألعاب الأطفال الموروثة ووضح الجهد المبذول من الممثلين وعشقهم لأشعار صلاح جاهين وتقديمهم لفكرة النمط ولكن بشكل غير تقليدى وما يقال  عادة عن الشخصيات النمطية انها  شخصيات مسطحة وجاهزة لكنها هنا كنت بداية للممثلين لتطوير طبيعة الشخصيات لتخرج من الأداء النمطى فكانت لكل شخصية دلالات تتخلق طوال وقت العرض وكان هذا النمط الساخر هو المطلوب لمثل هذه النوعية من الكتابة وكنت سعيد جدا بالتناغم الموجود بين مجموعة الممثلين والتى أظهرت قدرة المخرجة المختفية وراء هذه المحاولة الفكرية والشكلية التى صنعتها بتجانس رغم كل الملحوظات التى ذكرناها.

أنتهى كلام دكتور زعيمة ليفتح باب المداخلات مع الجمهور ولم يتقدم  سوى شخص واحد سأل عن سبب تسمية العرض "سكتم بكتم" فأجابتها المخرجة دعاء طعيمة بأن عنوان العرض ليس هذا فقط بل هو "سكتم بكتم .. صلاح جاهين" وفسرته بقولها: كنا نقصد أنه خلاص مفيش كلام تانى بعد كلام جاهين وكله يصمت ليسمع.

المخرجة دعاء طعيمة انهت  الندوة بقولها: ملحوظة الأستاذ الحلوانى فعلا حقيقة فالعرض يحتاج إلى خط درامى حاكم للمشاهد وأنا لست دراماتورج وكنت أقوم بتجهيز العرض لرمضان الماضى كاحتفالية عن صلاح جاهين لهذا كان بسيطا وبالفعل كان يجب وجود دراماتورج وبالنسبة لمشهد الفتاة التي تاهت من امها  فهذا هو المشهد الذى أنهى به جاهين "الليلة الكبيرة" وبعده أذان الفجر فأردت أن أنهى العرض بنفس الطريقة وانا سعيدة جدا بملاحظات النقاد وكل ما قالوه عن العرض.

  

عودة